المذاهب الفكرية الجديدة || ثانيا: المـذاهب الاشتراكية

 تعود جذور ظهورالمذاهب الاشتراكية  والتغييرات التي تلتها الى البداية الثورة الصناعية على الرغم من وجود سوابق في الحركات والأفكار السابقة. 

المذاهب الفكرية الجديدة ثانيا: المـذاهب الاشتراكية.

ظهور وبداية المذاهب الفكرية الجديدة.

1 – الاشتراكية الاصلاحية :

وكان من ابرز هذه الأفكار والمذاهب الاشتراكية الاصلاحية.

المـذاهب الاشتراكية


ا ـ قام الاشتراكيون الاوائل بتحديد نوعية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائـدة داخـل مجتمعاتهم :

توصل هؤلاء المفكرون الى أن العلاقات الاقتصادية أي المصالح المادية هي أساس العلاقات بين الاشخاص سواء أكانت تلك العلاقات في اطار استغلالي كما هـو الشـأن في المجتمعـات الرأسمالية التي عايشوها ، أم في اطار علاقات تعاونية بين البشر كالتي دعوا اليها من أجل خلق مجتمعات ذات علاقات جماعية.

وإن العلاقات الاقتصادية هي التي تفتر الحياة الكامنة للمجتمعات ، بينما الواقع السياسي لا يتعدى أن يكون سوى التعبير الخارجي لهذه المجتمعات.

وانطلاقا من هذا المفهوم حاول الاشتراكيون الاوائل تفسير واقع مجتمعاتهم ، فأكدوا على أن السبب الرئيسي لبؤس الفقراء في ظل الرأسمالية المهيمنة على مجتمعاتهم ، يكمن في كون وسائل الانتاج ملكية خاصة.

وقام « سان سيمون » بمحاولة نظرية لتحديد العناصر المنتجة في المجتمع والتمييز بينها وبين العناصر غير المنتجة:

« لنفترض ان فرنسا قد فقدت فجأة خمسين من اجود فيزيائييها ، وخمسين مـن اجود کیمیائییها ، وخمسين من أجود علماء الطبيعة ، وخمسين من أجود الميكانيكيين، وخمسين من أجود الدباغين ، وخمسين من اجود صباغي المنسوجات ، وخمسين من اجود عمال المناجم ... ان هؤلاء هم أكثر الفرنسيين انتاجية، وهم الذين يقدمون الانتاجيات الاكثر اهمية، وهم الذين يسيرون الاشغال الاكثر نفعا للامة ، ويجعلونها منتجة في ميادين العلوم والفنون الجميلة والآداب والحرف ، انهم في الحقيقة زهرة المجتمع الفرنسي ... واذا ما فقدتهم الامة فانها ستتحول الى جسد بلا روح ... » -- سان سيمون.

وكان يدعو الى تغيير الحكومات الموجودة التي تسيرها العناصر غير المنتجة بحكومات من العلماء والمهندسين ليشتغلوا بالتطور الاقتصادي، وكان له مثل يقول : « إبدال حكومة الناس بادارة الاشياء ».

واعتبر « سان سيمون » ومن بعده أتباعه، بأن الثقافة تلعب دورا هاما في تكوين الاخلاق لدى الانسان، وأن البيئة التي تطبع الانسان بطابعها، لذلك فالمطلوب مـن جميـع المؤسسات الاجتماعية أن توجه فعاليتها لتحسين حالة الفئة الاكثر عددا وبؤسا، أخلاقيا وثقافيا وبدنيا .

وكان « بابوف » يرى بأن الارض المنتجة ملك للجميع ، وبأن الاستحواذ على ما يفـوق الحاجات اللازمة للعيش يعتبر سرقة اجتماعية، وان الثورة الفرنسية – حسب رأيه ـ لم تحقق سوى المساواة السياسية، أما المساواة الاقتصادية ـ المساواة الحقيقية ـ فيشترط لتحقيقها الغاء الملكيـة الخـاصـة.

ولخص « برودون » من بعـده مختلف التحاليل حول مفهوم الملكية في قولته: « ما هـي الملكية ؟ انها السرقة »

واتفق أغلب المفكرين الاشتراكيين الاوائل -- عند تحليلهم لواقـع المجتمعـات التـي عايشوها على أن:

 « العالم مشبع بالثروة في الوقت الحاضر ، وثمة أساليب لا حصر لها لزيادتها أكثـر فأكثر، ومع هذا فالبؤس يتكاثر، تلك هي ، في هذا الوقت ، الحالـة الفعليـة للمجتمـع البشري » -ـ روبرت اوین.

ونستخلص من هذا بأنهم قد توصلوا الى أن الثروة المتزايدة لدى البعض هي السبب فـي تزايد فقر الآخرين، فالغني يعتبر مشتريا للعمل، والفقير بائعا للعمل، وان من مصلحة الغني أن يحصل على أكبر كمية من عمل الفقير وأن يعطيه مقابل عمله أقل كمية ممكنة.

كما انتقد بعض هؤلاء المفكرين نوعية العلاقات القائمة في القطاعات الاقتصادية خاصة في القطاعين الصناعي والتجاري ، فأبرز « فوريي » مثلا الطابع الطفيلي للارباح التي يحققهـا الوسطاء التجاريون ، والفوضى التي تشمل هذا القطاع ، وضرورة تنظيم الحياة الاقتصاديـة.

ومن أجل اعادة تنظيم المجتمع قام بعض هؤلاء المفكرين بمحاولات نظرية وعملية من أجل القضاء على عدم المساواة القائمة داخل المجتمع الرأسمالي في أوربا الغربية.

واذا كانت تحيلاتهم قد تعددت واختلفت في أشكالها فانها كانت متفقة في جوهرها من حيث كونها سعت الى تغيير بعض العلاقات في مجتمعاتهم واستهدفت اصلاح بعضها الآخر.

ب ـ قام بعض المفكرين منهم بتجارب لخلق مجتمع جديد:

بحث « فوريي » عن نظام اقتصادي و اجتماعي جديد من شأنه أن يحبب للعامل عمله ويدفعه اليه، فبنى ـ في مخيلته ـ خلايا للعمال سماها « الفلانستير » تتخصص في انتاج معين، وحدد حتى عدد العمال الانسب للعمل والعيش داخل كل خلية، وهو 1620 شخصا ( 810 من الرجال و 810 من النساء ). وقسمهم الى فرق تتخصص كل واحدة منها في انتاج معين ويختار كل فرد نوع الانتاج الذي يرتاح اليه حتى ترتفع انتاجيته.

ورأى « فوريي » بأنه من الضروري توفير وسائل الراحة داخل الخلايا وذلك بتأسيس محلات للعلاج وخلايا لتربية الاطفال ومطاعـم ونوادي وتوفير جو من المرح كما خطط ( فور يي ) توزيع الدخل بين عمال الخلايا بشكل يتناسب ومقدار العمل الذي يقدمونه، أما خارج الخلايا المتخيلة، فان فوريي قد أوصى بتوزيع انتـاج العمل على مجتمع المستقبل بطريقة تؤمن للطبقة العاملة 12/5 من مجموع الانتاج ، وللرأسماليين 12/4 ولممثلي المواهب 3 12، وانه من الافضل أن يصدر تصحيح ظلم الفقراء عن الاغنياء أنفسهم، فالسلم الاجتماعي يتطلب أن يوضع حد لعدم المساواة في الملكية وفي الثروة من قبل أولئك الذين يتمتعون بها ؟

وكان « روبرت أوين » يمتلك معملا كبيرا للنسيج باسكوتلاندا . وكان « الفقراء » العاملون فيه يشتغلون ساعات طويلة تفوق الـ 15 ساعة في اليوم ، وذلك لقاء أجرة بسيطـة، وكانـوا يفرطون في السكر وغالبا ما يحبسون لاختلاساتهم، وكانوا في مستوى منخفض جدا من التطورالعقلي والاخلاقي .

فابتدأ « أوين » منذ سنة 1800 بتحسين ظروف العمـال: فأنقص ساعـات العمـل الى عشر ساعات ونصف، وعندما توقف المصنع لنقص المواد الاولية ، لم يشرح « أوين الفقراء ، كما كانت العادة عند حلول الازمات ، بل استمر يدفع لهم كامل أجورهم لأشهر عديدة، وأولـى اهتماما كبيرا بتنشئة الاطفال وتثقيفهم ، فكان أول من نظم حدائق حضانة الاطفال في انجلترا.

وأعطى هذا المجهود نتائج ، بأن أدى الى تحسن ملموس في معنويات العمال، وفي نفس الوقت تزايدت مداخيل المصنع بشكل واضح، واكتسب « أوين » شهرة كمحسن خيري، الا أنه لم يكن راضيا عما استطاع أن يحققه في مصنعه، وكان يقول بأنه على الرغم من أن عماله في حالة جيدة نسبيا ، فانهم لا يزالون خاضعين له.

وعمل ـ أيضا ـ على انشاء مزرعة بايرلندا ( 1823 ) وأخرى بالولايات المتحدة الامريكية ( 1825 ) يعيش فيها مجموعة من الفلاحين بشكل جماعي، الا أن تجاربه فشلت كلها سواء في انجلترا أم في الولايات المتحدة.

ومع ذلك فان « أوين » بقي مقتنعا بأن« الاغنياء » و « الفقراء » الحكام والمحكومين تجمعهم مصالح مشتركة، وليس على « الاغنياء » الا التنازل عن بعض ملكياتهم للفقراء ليتـم السلم الاجتماعي بين مختلف الفئات المركبـة للمجتمع . وكان يقول بأن : « النظام الاجتماعي الجديد يمكن أن يأتي فجأة مثل اللص في الليل ».

والخلاصة:

 أن الاشتراكيين الاوائل قد قاموا باجتهادات من أجل فهم طبيعة المجتمع الرأسمالي في أوربا الغربية واصلاحه.كما أنهم حاولوا البحث عن نموذج مثالي لمجتمع جديد أساسه السلم الاجتماعي بين مختلف الفئات والتعايش بينها.

2 ـ الاشتراكيـة العلميـة :

ا ـ حلل الاشتراكيون العلميون تطور تاريخ المجتمعات البشرية بالبنيتين: السفلى والعليا وبوجود جدلية بين الاشياء.

توصل الاشتراكيون العلميون بعد دراستهم للنظريات الاقتصادية والاجتماعيـة السابقـة لهم، ومعاينة الوقائع التاريخية ، بأن « نمط الانتاج » هو الذي يحدد تطور ونوعية المجتمعات البشرية، وتختلف أنماط الانتاج باختلاف درجة التطور الحاصلة على وسائل الانتاج والتي تخلق « علاقات انتاج » معينة بين الاشخاص الذين يعيشون في اطار ذلك المجتمع، ويوضح ماركس مفهومه هـذا بقـوله :

« ان الطاحونة اليدوية قد انتجت مجتمعا فيه السيد والعبد، أما الطاحونة المائيـة فأنتجت مجتمعا فيه القن والاقطاعي، أمـا الطاحونة البخارية فقد أنتجت مجتمعا فيه الرأسمالي الصناعي والعامل المأجور ».

وبذلك فان العلاقات الاجتماعية مرتبطة أوثق ارتباط بقوى الانتاج، فاذا أصبح في أيدي الناس قوى انتاجية جديدة ، تغيرت علاقاتهم الاجتماعية تبعا لذلك.

وان كل تشكيلة اجتماعية تتضمن بنية سفلى مكونة من قوى الانتاج، وبنبة عليا مكونة من السياسة والقوانين والاداب والفنون ... الخ . ويحدد الشكل المادي والتقني، الذي يوجد عليه مجتمع ما نوعية العادات ومختلف المؤسسات القائمة فيه. وهناك علاقة جدلية بين البنيتين تتمثل في تبادل التأثير والتأثر ، وتؤدي الى تغير مستمر.

 وتمكن أنماط الانتاج ( قوى الانتاج + علاقات الانتاج ) ، في كل مرحلـة مـن المراحـل التاريخية فئة اجتماعية معينة لتسيطر على الفئات الاخرى ، فتنياً مؤسسات وتنظيمات وتضع قوانينا وتنشر أفكارا تهيمن بها على الفئات الاخرى . وغالبا ما ينقسم المجتمـع عمـوما الى طبقتين متعارضتين ومتصارعتين تستغل احـدا هما الاخرى.

يقول ماركس وانجلز في كتابهما « البيان الشيوعي »:

« ... ان تاريخ كل مجتمع الى يومنا هذا لم يكن سوى تاريخ نضال بين الطبقات، فالحر والعبد والنبيل والعامي والسيد الاقطاعي والقن والمعلم والصانع ، اي بالاختصـار المضطهدون والمضطهدون ، كانوا في تعارض دائم ، وكانت بينهم حرب مستمرة تارة ظاهرة وتارة مسستترة، حرب كانت تنتهى دائما ... بانقلاب ثورى يشمل المجتمع باسره ... »

ان تلك الطبقات ـ حسب النص ـ قد عرفت تعارضا دائما أي صراعا مستمرا، وفي هذا مفهوم الديالكتيك بشكل عام ، اي وجود قطبين متناقضين في كل مرحلة تاريخية وهذا التعارض أو الصراع تارة ظاهر وتارة مستتر، وينتهي بانقلاب ثوري يشمل المجتمع كله، فهنا تبرز قوانين الديالكتيك الاساسية خاصة منها الانتقال من التغيرات الكمية الضئيلة والخفية الى التغيرات الكيفية الظاهرة، وحدوث القفزات والانقلابات الثورية ، من حالة الى أخرى، وهذا التطور حتمي يعوض فيه القديم بالجديد، اذن فأهم قوانين الديكالكتيك تتمثل في اعتبار الطبيعة والمجتمع كلا واحدا متماسكا ترتبط فيه الاشياء والحوادث فيما بينها ارتباطـا عضوياً، وإن الطبيعـة والمجتمعات البشرية في حالة حركة وتغير دائمين، ففيها دائما شيء يولد ويتطور وشيء ينحل ويضمحـل.

ب - استخلص ماركس بعض القوانين الاقتصادية والسياسية التي تفسر تطـور المجتمـع الراسمالي:

اعتبر ماركس أن قيمة سلعة ما تقاس بالعمل الذي تضمنته تلك السلعة أي بعدد الساعات التي استغرقها تحويل وانتاج السلعة فاذا ما قضى عامل مثلا 5 ساعات لصناعة المادة «أ» و 4 ساعات لصناعة المادة «ب» فان قيمة «أ» تزيد على قيمة «ب» ساعة واحدة ، فكل البضائع ما هي الا مجرد تراكم للعمل البشري الذي يعتبر أساس الانتاج، ويشتري الرأسمالي من العامل قوة عمله وليس عمله « فقوة العمل اذن بضاعة شأنها شأن الشكر لا أكثر ولا أقل، الاولى تقاس بالساعة و الثانية  بالميزان« وهذا ما يسمى  بنظربة القيمة - العمل ».

ويضطر العمال للاشتغال لدى صاحب رأس المال لكونهم لا يملكون وسائل الانتاج وهم يتزاحمون في عرض عملهم فيمنحهم أقل أجر ممكن وهو الاجر الذي يعد الحد الادنى للعيش، لكن وفي نفس الوقت ينتج هؤلاء العمال مواد تساوي قيمتها مقدار العمل المتراكم اللازم لصناعة المادة ـ كما جاء في نظرية القيمة - ، وهكذا يحصل صاحب رأس المال على الفارق الموجود بين قيمة المادة ( أي العمل) وقيمة الاجر، وهذا الفرق يسمى بـ « فائض القيمة »،  وهو المفهوم الاساسي لتحليل النظام الرأسمالي عند ماركس.

كاريكاتور حول فائض القيمة.

كاريكاتور حول فائض القيمة


ويتكاثر فائض القيمة لدى صاحب رأس المال بقدر تزايد العمال المشتغلين لديه ، لذا فإن من مصلحة الرأسمالي أن يزيد من تراكم رؤوس الاموال لاستثمارها وتشغيل عدد أكبر من العمال ، وهذا ما يؤدى الى تضخم رأس ماله واستثماره باستمرار، وينتج عن هـذا التراكم الرأسمالي تزايد مطرد للانتاج الذي عليه أن يجد أسواقـا للتصريف ، وحيث أن العمـال لا يستطيعون شراء كل البضائع المنتجة بواسطة عملهم ، يكون أجورهم منخفضة عن القيمـة الحقيقية للعمل الذي قدموه في انتاجها ، فانه يحدث تدريجيا عدم توازن بين الانتاج والاستهلاك واختناق للاسواق ثم أزمة فائض في الانتاج.

 وتخلق هذه الازمات افلاسا لاصحاب المؤسسات الصغيرة المستقلة كالصناء وصغار التجار الذين لا تستطيع بضائعهم أن تتحمل انخفاض الاثمان، فيشتري أصحاب المؤسسات الكبرى تلك المؤسسات الصغرى من أصحابها الذين يتحولون الى عمال مأجورين.

اذن بقدر ما يزداد تفقير الفئات المتوسطة ، بقدر ما تصبح المؤسسات الكبرى أكبر قوة و هيمنة على مختلف القطاعات الاقتصادية ، ومن بين أمثلتها التروست والكونزيرن.

ورأى مارکس و انجلز بأن الدولة أداة في يد الفئة المهيمنة وهي الفئة الرأسمالية في غـرب أوربا، فعلى البروليتاريا ، وهي الطبقة الوحيدة المؤهلة تاريخيا للقيام بهذا الدور، أن تستولي على مقاليد الدولة وذلك باستعمال العنف الثوري. 

وتشكل بذلها دولة بروليتارية تقوم بالغاء ملكية الرأسماليين لوسائل الانتاج وجعلها بين يدي الدولة وممارسة دكتاتورية البروليتاريا ، قصد القضاء على التفاوت الطبقي خلال مرحلة أولى انتقالية ، ثم المرور منها الى مرحلة الشيوعية.

والخلاصة العامة:

 أن مختلف هذه المذاهب الفكرية قد واكبت تطور مجتمعات أوربا الغربية التي عرفت الثورة الصناعية ، والتي أحدث التطور الرأسمالي فيها مخاضا فكريا جديدا انبثق عنه نشوء عدة نظريات وأفكار أسهمت في تعميق المعرفة بالواقع الاجتماعي لتلك البلـدان ، ومهـدت جميعها للبحث عن الوسائل للخروج من الاشكاليات التي فرضها ذلك التطور.



إرسال تعليق

أحدث أقدم